ابن الجوزي

60

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

يدنيه حتى أتكأه على فخذه ، وتحفى به ، ثم سأله عن نفسه وعن عياله يسميهم رجلا رجلا وامرأة امرأة ، ثم قال : يا أبا عثمان ، عظني . فقال : أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم : * ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ، هَلْ في ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا في الْبِلادِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ 89 : 0 - 13 ) * [ 1 ] إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد . قال : فبكى بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا في تلك الساعة ، وقال : زدني . فقال : إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك منه ببعضها ، واعلم ، أن هذا الأمر الَّذي صار إليك إنما كان في يد من قبلك ، ثم أفضى إليك ، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك ، وإني أحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة . قال : فبكى والله أشد من بكائه الأول حتى جف جفناه . فقال له سليمان بن خالد : رفقا بأمير 29 / أالمؤمنين ، قد أتعبته اليوم فقال له عمرو : بمثلك ضاع / الأمر وانتشر ، لا أبا لك ، وما ذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية الله ؟ عز وجلّ ؟ فقال له أمير المؤمنين : يا أبا عثمان ، أعني بأصحابك أستعن بهم . قال : أظهر الحق يتبعك أهله . قال : بلغني أن محمد بن عبد الله بن حسن كتب إليك كتابا . قال : قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه . قال : فيم أجبته ؟ قال : أوليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا ، إني لا أراه ، قال : أجل ، ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي . قال : لئن كذبتك تقية لأحلفن لك بقية . قال : أنت والله الصادق البر . ثم قال : قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك . قال : لا حاجة لي فيها . قال : والله لتأخذنها . قال : والله لا آخذها . فقال له المهدي : يحلف أمير المؤمنين وتحلف ؟ ! فترك المهدي وأقبل على المنصور وقال : من هذا الفتى ؟ قال : هذا ابني محمد ، هو المهدي وولي العهد . قال : والله لقد أسميته اسما ما استحقه عمله ، وألبسته لباسا ما هو من لبس الأبرار ، ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به ، أشغل ما يكون عنه . ثم التفت إلى المهدي وقال له : يا ابن أخي ، إذا حلف أبوك حلف عمك ، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك . ثم قال : يا أبا عثمان ، هل من حاجة ؟ قال : نعم . قال : وما هي ؟ قال : لا تبعث إليّ حتى آتيك . قال : إذا لا تأتيني .

--> [ 1 ] سورة : الفجر ، الآية : 1 - 13 .